السيد كمال الحيدري

119

دروس في علم الإمام

دلّت قرينة على خلاف ذلك أو وجد مانع عقليّ يمنع من إرجاع الضمير إلى الأقرب ، وحيث إنّه لا قرينة على الخلاف ولا مانع عقليّ من ذلك ، إذن لابدّ أن يرجع الضمير إلى الكتاب المكنون . في ضوء هذه الحقيقة تدلّ الآية على أنّ الكتاب المكنون لا يمسّه أحد إلّا المطهّرون ، أي لا يعلمه علماً حضوريّاً شهوديّاً إلّا المطهّرون ، ولعلّنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا : إنّ السبب في تعبير القرآن « لا يمسّه » بدلًا عن التعبير ب - « لا يعلمه » ؛ لأجل أن لا ينصرف الذهن إلى العلم المتعارف الذي يمكن تحصيله من خلال العلم الحصولي بالمفاهيم والألفاظ . وقد تقدّم الكلام في بيان حقيقة اليقين القرآني وأنّه لا يحصل إلّا من خلال مسّ ومشاهدة حقائق وملكوت العالم ، كالذي يقع في النار ويحترق فيها ، فعلمه بالنار من خلال مسّه لحقيقة النار . قال الآلوسي : « المطهّرون هم المنزّهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسيّة ، وقيل : عن كدر الأجسام ودنس الهيولى ، والطهارة عليهما طهارة معنويّة ، ونفي مسّه كنايةً عن لازمه وهو نوع الاطّلاع عليه وعلى ما فيه » « 1 » . من هنا لا يكون مفاد « لا » في قوله « لا يمسّه » النهي عن مسّ الكتاب إلّا عن طهارة ؛ لأنّ لازمه أن تكون الطهارة منحصرة بالمادّية فقط ، بمعنى أنّ الإنسان إذا لم يكن متطهّراً من الخبث والحدث لا يجوز له مسّ القرآن ولمسه . وإنّما تكون « لا » نافية وليست ناهية ، ومن ثمّ تكون الآية بصدد الإخبار - معنىً كما هو لفظاً - عن هذه الحقيقة ، وهي أنّ الذي يقف ويشاهد الكتاب المكنون هم المطهّرون فقط ، الواجدون لجميع مراتب الطهارة بما فيها الطهارة القلبيّة . قال الرازي : « لا يمسّه ، الضمير عائد إلى الكتاب المكنون على الصحيح ، ويحتمل أن يُقال هو عائد إلى ما عاد إليه المضمر من قوله إِنَّهُ لَقُرْآنٌ

--> ( 1 ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، الآلوسي ، مصدر سابق : ج 27 ، ص 154 . .